(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 

يفاجئني هذا الانطباع العام الفاشِي لدى الكثير من القراء، وبعض الكُتّاب أنّ العمل السَّرْدِيّ (الرواية والقصة القصيرة تحديدا) يجب أن يحوي قصة حبّ، سواء أكانت القصة الرئيسة للعمل، أو قصةً ناقلةً للقضية التي يودُّ الكاتب أن يتناولها.

وأنا هنا لست أُعادي الكتابة عن الحب، لكنّي أستغرب أن يكون الموضوع الأوحد، أو موضوعا يدس أنفه في كل قصة، وكأن عناصر القصة صارت: الشخصيات، والأحداث، والزمان والمكان، و ... وقصة حبيبين!

والسؤال هنا: من أين أتى هذا الانطباع الذي صار واقعًا بشكلٍ أو بآخر؟

زمن ما قبل السرد

حينما نرجع إلى الشعر الجاهلي، نجد أنّ القصيدة أيّا كان غرضها (مدح، هجاء، رثاء ... إلخ) تُفتتح في الغالب الأعمّ بأمرين؛ الغزل، أو البكاء على الأطلال، أو كليهما أحيانا. هذا كان العُرف الجمالِي والفنيّ آنذاك. وهذا مُبرَّر في ذلك العصر؛ حيث الترحال للبحث عن أفضل مرعى، وما يتبع ذلك من فراق حتمي يثير حالة من الشجن الدائم لدى العربيّ الذي يشعر بأنّ الفراق قدَرُه. لذا، فإنّ البكاء على الأطلال شعور وُجودي لدى أيّ عربي آنذاك، شعور يستسيغه كلّ فرد من الجمهور الذي سيسمع القصيدة، لأنّه ذو معنى واقعيّ وشخصيّ بالنسبة له. وكذلك الغزل، فهو كثيرا ما يرتبط بفراق الحبيبة الراحلة "ودّعْ هريرة إنّ الركب مرتحل ..."، "لخولة أطلال ببرقة ثهمد"، "يا دار عبلة بالجواء تكلمي ...". وحتى وإن لم يرتبط بالفراق تحديدا، فالحب في الوجدان العربي مرتبط باللوعة والسهر والعذاب، وكل هذه المعاني تناسب طبيعة العربي الملتاع ببيئة قاسية. فالغزل في الشعر الجاهلي ليس طقسا احتفاليا، وقليلا ما يثير الحب مشاعر مبهجة تبثّ في روح الشاعر البهجة والحياة، إلا في بعض القصائد كقصيدة عنترة الذي يشجعه تذكّر عبلة على القتال:
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها **** لمعت كبارقِ ثغرِكِ المتبسّمِ

لهذا نجد أنّ قصيدة مثل "البُردة" التي قالها كعب بن زهير -رضي الله عنه- أمام الرسول –عليه الصلاة والسلام- قصيدة جاهلية بامتياز! فهي تبدأ بذكر الحبيبة سعاد (الوهميّة بطبيعة الحال) التي بانت وابتعدت:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ *** مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ

وقد يستغرب غير المُطّلع على تاريخ الأدب العربيّ أن يقول رجل في أول يوم لإسلامه قصيدة يمتدح فيها الرسول عليه الصلاة والسلام طالبا منه العفو، والعدول عن إهدار دمه، ويبدأها بمديح حبيبته سعاد والتغزّل فيها. وليس هذا وحسب، فإذا أجرينا "تحليل محتوى" سريع، نجد أنّ القصيدة المكونة من 59 بيتا، خصص منها 16 بيتا لمديح الحبيبة الراحلة سعاد. ثم انتقل الشاعر –رضي الله عنه- لوصف الناقة التي رحلت بسعاد إلى أرض بعيدة. ولم يبدأ بذكر الرسول –عليه الصلاة والسلام- أو الإسلام إلا في البيت 39 من القصيدة. أي أن ثلثا القصيدة ذهبا لموضوع آخر غير الغرض الذي نظمت القصيدة من أجله!

ونجد كعبا -رضي الله عنه- يصف سعاد قائلا:

هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً *** لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ

وهذا وصف أقل ما يقال عنه إنّه غير لائق على الأقل في حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام. والسؤال هنا، لِمَ لَمْ ينهَ الرسول عليه الصلاة والسلام أو الصحابة كعبًا رضي الله عنه عن هذا البيت مثلا؟

لأنّ هذه قصيدة جاهلية، نظمها ناظمها وهو جديد على الإسلام وأحكامه. شاعر غلبت عليه التقاليد الفنية لبيئته. بعد زمن من إسلامه رضي الله عنه، نجد أنّ قصائد كعب بن زهير رضي الله عنه تغيّرت وانسلخت من جِلْدها الجاهلي وأعرافه الفنيّة.

إذا، القاعدة أنّ تغيّر بيئة الشاعر، يغير طريقة تعبيره عن المعنى. ولا يخفى على القارئ الكريم القصة الطريفة للشاعر الذي أراد أن يمتدح الخليفة بتعابير من بيئته الشخصية، فقال:
أَنتَ كَالكَلبِ في حِفاظِكَ لِلوُد *** وَكَالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِ
أدرك الخليفة أنه أراد المدح، وإن جاءت التعابير قاست ومسيئة في ظاهرها. فأمر الخليفة أن تخصص للشاعر دار قرب دجلة. وبعد فترة سُئل عن آخر ما قال من شعر، فكان:

عُيونُ المَها بَينَ الرصافَةِ وَالجِسرِ *** جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدرِي

فلننظر كيف أن تغيّر بيئة الشاعر، غير تعابيره، وغير اهتماماته أيضا وأفكاره.

ولهذا نجد أنّ البوصيري (توفي آخر القرن الميلادي الثالث عشر) حينما كتب "البردة"، لم يبدأها لا بغزل أو بغيره، بل دخل في الموضوع مباشرة:

مولاي صلِّ وسلِّم دائمًا أبدا *** على حبيبكِ خيرِ الخَلْقِ كُلّهمِ

وحتى حينما نظم أحمد شوقي (توفي في الثلاثينات من القرن العشرين) نهج البردة، اختار عمدا وقصدا أن يبدأها بالغزل، ليس لأن هذا تقليد عصره، بل اتّباعا وتناصا مع بردة كعب بن زهير رضي الله عنه. فنجد شوقي يقول:

ريمٌ   عَلى   القاعِ   بَينَ   البانِ   وَالعَلَمِ   ***   أَحَلَّ  سَفكَ   دَمي   في   الأَشهُرِ   الحُرُمِ

والحاصل أنّه بتغير العصور، تغيّرَ الشعر، وصار الشاعر حينما يتغزل، فإنه يتغزل لغرض الغزل وحسب. ولا يستخدمه مقدمةً، أو تمهيدًا، أو أداةً لغرض آخر. لقد تحرر الشاعر من السطوة الوجدانية القاسية في عصر الجاهلية، ما عاد الهم الوجودي للشاعر شجون التنقل والفراق، بل هموم أخرى. فانتفى غرض الابتداء بالغزل أو وصف الأطلال. وهذا لا يعني أن الغزل اختفى من الشعر العربي، بل ظل حاضرا، لكنه كان بشكل عام غزلا لغرض الغزل، لا وسيلة يتوصل بها لغرض آخر، أو تمهيد لازم يفتتح به كل موضوع.

زمن ما قبل الرواية

كان الشعر ديوان العرب. أمّا اليوم، فقد صارت الغلبة للسرد وتحديدا الرواية التي صارت "سجلّ العرب" وشاغلتهم. لكن لو عدنا إلى عصور ما قبل الرواية (على اعتبار أن الرواية صنف أدبي حديث نسبيا على العرب) ودرسنا بعض النصوص العربية الكلاسيكية التي تعد سردية، لكنها ليست موافقة لشروط الرواية بشكلها الحديث. نصوص مثل قصة "حي بن يقظان" (التي ألهمت دانييل ديفو روايته الشهرة "روبنسن كروزو" والتي يعتبرها بعض مؤرخي الأدب أول رواية باللغة الإنكليزية)، أو "كليلة ودمنة" (رغم أصله غير العربي)، أو "ألف ليلة وليلة" (رغم أن مؤلفه غير معروف)، أو "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري (رغم كثرة محتواها الشعري)، نجد أن الحبّ ليس قضية رئيسة أو لازمة متكررة كما هو الحاصل في القصص والروايات التي نقرأها اليوم، والتي تعاني من فائض عشقيّ هائل.

بين حمار الشعر وحمار السرد!

إذا أنت لم تعشق ولم تَدْرِ ما الهوى *** فقم واعتلف تِبْنا فأنتَ حمار

يزعم الشاعر أنّ الحب ليس من صفات الحمير -أجلكم الله-، وأنّه نشاط بشري صرف. ولا أظن أنّه سبق لأحد أنْ أجرى دراسة على الحمير أو غيرها لتقصي سلوكها العاطفي، لذا تظل المسألة معلّقة لحين تصدي أحد العلماء لها.

وبالحديث عن الحمير أجلكم الله، يقال "الرَّجَز حمار الشِّعر"! هذا لأنّه أسهل بحور الشعر، ويمكن أن يحمل ما لا يحمل غيره، ويمكن لقليلي الموهبة امتطاء هذا البحر السائغ. أما في عالم السرد، فيمكنني أن أقول: "الحب حمار السرد"! صار الحبّ أداة يتوسل بها الروائي أو القاص، كما يتوسل الشاعر المتواضع ببحر الرجز.

يمكن للراصد أن يلاحظ أن ثمّة قصة حبّ مدسوسة في الغالبية الساحقة الماحقة للقصص والروايات، سواء أكانت هي القصة الرئيسة، أو كانت عكّازا لفكرة أخرى. ومن الواضح للأسف أن الكتاب –المتمرّسين والمبتدئين على حد سواء- يقعون في أحضان هذه الوسيلة، حتى صار حالهم حال الشعراء في عصر الجاهلية الذين استخدموا الغزل والتفجُّع على الأطلال لافتتاح قصائدهم. هذا مع الفارق الكبير، فالجاهلي كان يفتتح القصيدة بها ثم ينتقل لغرضه، أي يمكن حذف هذه الأبيات بسهولة والانتقال إلى اللب. وكان الشاعر الجاهلي يركّز على الحب المرتبط بالفراق تحديدا، كان الحبّ لديه همُّ صغير نابع من همٍّ أكبر وهو الترحّل وما يطرحه من حالة شَجَن وجوديّ.

صحيح أنّ الكاتب المُجِيد لديه أدوات أخرى مثل اللغة والفكرة. لكن المقلق في الأمر أنّه يمكن لقليل الموهبة أن يكتب شيئا وينجح نجاحا ساحقا فقط لأن ما كتبه قصة حب. لماذا ينجح؟ لا لشيء سوى لطبيعة الحب الخاصة. الحب، القضية السائغة الشائعة التي تلقى قبولا من الجميع لأنها تضرب على أوتار مشدودة. لأنّ جزءا من الإنسان مفطور على العواطف بشكل عام، وعلى الشهوة تحديدا. ومن السهل أن تخاطب شيئا دنيَّا في الإنسان، من أن تخاطب شيئا ساميا لأنك بهذا تقلل من الجمهور الذي سيستسيغ ما تقول. الأمر كمن يبيع القمح، ويبيع الـ"كينوا" (نوع من الحبوب تزرع في أمريكا الجنوبية)، لا مقارنة بين شعبية الاثنين وقبولهما.

التفسير الجذريّ

إذًا، حتى الكاتب غير المتمكن، يمكنه أن يأتي بنص سردي لا بأس به إذا ضمّنه قصة حب، ويمكنه أن يأتي بنص رائع إذا كان النص بأكمله قصة حب. هذا النجاح ليس عائدا إلى موهبة الكاتب، بل إلى سواغ الموضوع الذي يتناوله، موضوع يعجب العامة، موضوع شعبي، والفضل في هذا برأيي للسينما العربية، وللأغانيّ. فعقود طويلة مرت على الإنسان العربي، تعرض فيها لعمليات برمجة مستمرة، عمليات غسيل دماغ، بحيث صار لا يستسيغ قصة دون أن تضمن شيئا متعلقا بحب بين حبيبين. وانسحب هذا بدوره على الذائقة العربية في السرد، فصار كل من القارئ والكاتب على حد سواء عبيدا لهذه الذائقة المبرمجة.

وهذا الاعتماد الإزْمَانيّ على الحب في الأعمال السردية خطير، لأنه يبرمج القارئ ويبرمج الإنسان أكثر وأكثر على نمط تفكير معين، حتى يصير لا يستسيغ أي عمل دون قصة عاطفية ترطّبه وتنزل به إلى مستوى أرضيّ وبسيط. ثم بعد ذلك لا تستسيغ الحياة دون قصة حب ما. وتجد الناس يبحثون عن الحب الذي يقرؤون عنه ثم لا يجدون، فيكتئبون، ثم يتسلون بمشاهدة المسلسلات التركية، ثم تنفطر قلوبهم، ثم يتسخّطون على واقعهم. شكرا للأدب، شكرا للدراما التي خلقت أجيالا من البشر غير الراضين. قصص الحب التي ترد في الأدب، وحتى في التاريخ فيها مبالغة بطبيعة الحال، وتركيز على بؤر معين من العلاقة وتضخيمها لأعراض السرد ولأغراض الحبكة، وهذا ما لا يحدث في الواقع. ولنلاحظ أن قصص الحب الحقيقية التي خلدت كلها كانت قصصا لحب مستحيل بشكل أو بآخر، حب تترصّده العقبات: عنترة وعبلة، قيس وليلى، ليلى الأخيلة وتوبة، قيس بن ذريح ولبنى، جميل وبثينة، كثيّر وعزة. كلهم لم يتزوجوا، ولو تزوجوا، لما عادت القصة مُفارِقة للواقع ومضخّمة وتستحق الكتابة عنها اللهم إلا قيس بن ذُريح ولبنى الذين تزوجا، ثم فُرّقا، ثم تزوج كل منهما بشخص آخر، ثم تزوجا مجددا. والنتيجة لهذا القصف من قصص الحب المستحيل؟ المزيد من البشر المحبطين عاطفيا الذين لم يجدوا حبا مستحيلا أسطوريا بطوليا يخلده التاريخ. هذا فضلا عن إحباطاتنا الحضارية الأخرى. جزاكم الله كل خير! خلاصة القول، أن هذا الهوس الحبّي يجعل الناس يرتدون غِمَامات مثل التي يرتديها الحصان حتى لا يرى سوى ما يراد له أن يراه. كم من المتاعيس صنعت أيها الحب الأدبي؟!

وإذا خلت رواية ما من قصة حب، يبدأ القراء تلقائيا بالبحث عن علاقة ما بين الشخصية الفلانية وتلك، لعل قصة حب ما تبرز في فصل من فصول الرواية! مرة أخرى، بُرمج القارئ على توقعات معينة، والأخطر أن ينقل هذه البرمجة إلى حياته اليومية، فيغدو آلة لسوء الظن والنميمة.

"معادا أو معارا"

الأمر الآخر الخطر فيما يتعلق بالاعتماد على الحب في الأعمال السردية، هو أن فرصة الكاتب أن يأتي بقصة حب أصيلة ومدهشة فرصة قليلة بسبب أنه أشبع معالجة وتداولا وضربا وركلا! وهذا أمر يجب أخذه بعين الاعتبار لمن يكتب لأن هدفه أن يأتي "بما لم تأتِ به الأوائل"، لا من يكتب ولسان حاله يقول:
وما أرانا نقولُ إلا مُعارًا *** ومُعادًا من قولِنا مَكْرُورا

أتفهم هذا الاحتشاد الغرامي في السينما، فالسينما للترفيه. لكن الرواية ليست للترفيه، بل للترقية! إذا كانت الدراما أجيرة لدى ذوق المشاهد، فالأدب عليه أن يكون سيدا، ويتعلم كيف يكون، وإلا سيكون مجرّد أجير مرتزق تتحكّم به الجماهير بذوقها المُبرمج على الاتضاع.

 

نشرت في مجلة "البيان" الصادرة عن رابطة الأدباء الكويتيين، العدد 570، يناير 2017، صفحة 29-34.

___________________________

تصويب: نبهني أحد الزملاء بعد نشر المقالة أنّ قصيدة البوصيري مُفتتحة بأبيات متعلقة بالحب. وقد غلب عليّ حفظي للبردة منشدةً، وهي تحذف هذه الأبيات غالبا. فوجب التنويه والتصحيح. 

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 

في ذلك اليوم الصيفي، حيث وصلت الكآبة حدَّها الأقصى، استيقظت بثقل وجعلتُ أتأمّل النقوش على حاشية السقف في غرفتي في الفندق. كانت تلك طريقتي للتهرب من اليوم الممل الذي ينتظرني في رحلة إلى مدينة عربية استهلاكية لا تناسبني، ولا يهم ذكر اسمها هنا.

رنوت إلى السقف، "زخرفة إسلامية"، قلت لنفسي. نفسي الضجِرة التي كانت تبحث عن طريقة تمضي بها الوقت. وبدأت حفلة الأسئلة في رأسي!

 

- عزيزتي نفسي، كيف ولدت الزخرفة الإسلامية؟

- من أبوين مسلمين!

- لا، لا، هذا ليس أوان الاستظراف! كيف يمكنك الهزل في ظرف كئيب كهذا؟

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

سيكون جميلا، وأسطوريا، ونبيلا، لو تحققت تلك القصة السعيدة المعتادة؛ ينتصر الأبطال الأحرار الأبرار، ويموت الأشرار الأوباش أو يندمون على فَعلتهم. تغرّد العصافير، وتتراكض الأرنب. تندحر الأفاعي، ويهاجر الثعالب.

وكثيرون منّا ما زالوا يسقطون قصص الطفولة تلك على كل ما ينكّد عيشهم. يمنّون النفس بيوم تنقرض فيه الرقابة كما الديناصورات، تصبح من الماضي مثل التنينات، تغدو خرافة مخيفة للتندر والتفكّه مثل "السعلوة" و"حمارة القايلة"، تغدو شيئا للعظة والعبرة والتبجح بالانتصار عليه مثل فيروس الجدري.

مرحبا يا بني قومي، يؤسفني أن أحيطكم علما بأنّ الرقابة –إذا كنتم مصرين على الأسْطرة- مثل العنقاء، تغيب تحت الرماد وتعود مجددا أكثر قوة وأناقة!

معاذ الله أن أكون ممن يدافعون عن الإقصاء أو التسلط، لكن أيضا يسوؤني أن أرى المثقفين فاشِيين في نضالهم! ففي معرض رغبتهم في التخلص من الرقابة، يطالبون مطالبات إقصائية وشمولية مثل إلغاء الرقابة عن بكرة أبيها، وهذا مطلب لن أناقش مشروعيته بل معقوليته، فهو برأيي طوباوي وطفولي وغير معقول.  

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

لا أجد له اسما لائقا، لذا سأسميه مؤقتا ولع ... بل هوس القوالب. ذاك الهوس الذي يدفع الفتيات لأن يكنَّ نسخا "سيليكونية" مكرورة. لا أريد تحليل أسباب الظاهرة، ولا لعن العولمة، ما أريده هو أن أستدعي قامة الشاعر إبراهيم طوقان، فما قاله يمكنه أن يطبب بعض ما يحدث.

كتب طوقان قصيدة مطلعها "وغريرةٍ في المكتبة"، وهي من أجمل القصائد الغزلية برأيي. في تراثنا الشعري احتشاء من شعر الغزل، وشخصيا صرت نادرا ما استسيغ قصيدة غزلية، لأن كثرتها أفقدتها قيمتها، فـ"زر غبا تزدد حبا" كما جاء في الحديث الشريف.

مهما أتى شعراء الغزل بصور جديدة ومبهرة، تظل البواعث ثابتة؛ التغني بجمال المتغزل بها، جمالها المثالي الذي يضاهي هذا ويناهز ذاك أو يفوقه. لهذا تأتي قصيدة طوقان لتخط خطا مختلفا، وتقدم فرصة للرجال والنساء على حد سواء كي يتعرفوا على أسلوب جديد للنظر إلى الجمال المستحق للإعجاب. في القصيدة يذهب الشاعر إلى مكتبة، فيفاجأ بفتاة جميلة تقرأ كتابا، فيُؤخذ قلبه بها، ويقول:

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

نَقْعٌ كثير أثارته الروائية البريطانية "جيه كيه رولنغ" (مؤلفة سلسلة هاري بوتر الشهيرة) حينما ألفت رواية "Cuckoo's Call" أو "نداء الوقواق" باسم مستعار مذكّر؛ "روبرت غالبريث". صدرت الرواية، وبيع منها عدد متواضع جدا (3 آلاف نسخة تقريبا) قبل أن تًكتشف الحيلة، وتفضح صحيفة التايمز البريطانية السر. لاشتباه في هوية المؤلف الجديد على الساحة الأدبية جاء من وصف الملابس في الرواية والذي كان دقيقا بشكل لا يحسنه الرجال، كما أن الوكيل الأدبي الذي تتعامل مع رولنغ هو الوكيل نفسه الذي تعامل معه "غالبريث".

رولنغ تقول أنها فعلت ذلك كي تتحرر من التوقعات المسبقة، وتجرّب الكتابة في صنف أدبي جديد (رواية بوليسية)، فتتلقى تعليقات القراء دون تزييف نظرا لمكانتها الأدبية. إلا أنّ بعض الخبثاء لمّحوا أنّ الأمر كله مدبّر، وأن رولنغ فعلت هذا عمدا كي تثير زوبعة وتزيد شعبيتها، وأن كشف هوية مؤلف الرواية جاء بإيعاز منها!

لا يهمنا تمحيص نية رولنغ، بل يهمنا أن نعرف ماذا حدث بُعيد أن عرف الجمهور أنّ روبرت غالبريث هو في الحقيقة الروائية الشهيرة جيه كيه رولنغ. بالنظر إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعا المنشورة في ملحق Saturday Review الصادر عن جريدة التايمز بتاريخ 3 أغسطس 2013، نجد أن رولنغ تصدّرت قائمة الأدب الخيالي Fiction"" ذات الغلاف العادي عن روايتها "The Casual Vacancy" التي كتبتها باسمها الحقيقي، كما أنها تتصدر قائمة كتب التخييل ذات الغلاف السميك بروايتها "نداء الوقواق" التي كتبتها بالاسم المستعار الذي كُشف سره! الرواية التي قبل أن يُعرف أنها مؤلفتها، لم يلتفت إليها أحد.

الأمر يصبح أكثر إيلاما حينما نعلم أن رولنغ -متخفية باسم "غالبيرث"- عانت بعض الشيء في نشر الرواية، فقد رفضتها بعض دور النشر! وبعض دور النشر هذه –حين افتضح الأمر- تجرأ على الاعتراف بذلك، والبعض الآخر آثر الصمت/السلامة. وهذا يشي بأن المعايير في صناعة النشر -حتى في الغرب- ليست عادلة دوما، وأن النجومية والشهرة هي الطريق السريعة للنشر وليست الموهبة.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

wellcom1

 

من الخطر أن يكون المرء أديبا. نحن قوم حالمون واسعو الخيال، مفرطو التفاؤل، متطرفو التشاؤم، نفلسف ما لا يُفلسف، نبحث عن الترميز في كل مكان، نجتهد في فك شفرته. ولهذا كله، نحن كائنات تصنع خيبة أملها بنفسها، وتبحث عن الأسى بملقط. هل أتجنى؟ اقرؤوا ما حدث لي.

كنت في زيارة لمتحفWellcome Collection  في لندن. كان متحفا طبيا عاديا إلى أن صادفت ذاك الهيكل العظمي؛ هيكل بلاستيكي مُصنّع لا يخيف البتة، معلّق بخيط معدني يتدلى من السقف. مهلا، يبدو أنه وقع وتفكك، وأخطأ عمال الصيانة في تركيبه! هذا الهيكل الذي ترون في الصورة يحتل فيه الحوض مكان الرأس، في حين هبط الرأس ليقبع مكان الحوض!

ويضج صدري بالفضول، ويحق لي ذلك فالمتحف يصف نفسه بأنه "مقصد لمن فضولهم لا بُرء منه". أبحث عن الموظفة لأنبهها إلى الخطأ، ثم يمور في صدري هاجس آخر؛ ماذا لو كان الأمر مقصودا؟ ماذا لو كان الفنان الذي صنع الهيكل ركّبه هكذا ليوصل رسالة ما. أتراجع عن مناداة الموظفة، أتراجع حتى عن الرغبة في سؤالها عن السر الذي قد يكون الفنان قصده، التقط صورة، وأعاهد نفسي على التأمل في المسألة.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

مُذ رأيتها أول مرة حينما كنت في الابتدائية، وأنا أتجنبها، وتأبى هي إلا أن تلاحقني في كل مكان؛ في مكتبة المدرسة وفي متاجر الكتب! كان على غلافها ثلاثة كلاب بعيون دائرية هائلة وجاحظة تنشر الرعب في نفسي كلما طالعتها.

ورغم انتمائي لجيل تشكل وعيه القرائي من خلال سلاسل قصص "المكتبة الخضراء للأطفال" و"ليدي بيرد"، إلا أن قصة "القداحة العجيبة" كانت قصة لم أود قراءتها. لم أجسر أن أقرأها إلا هذا العام، وحينها اكتشفت الذي ما كان لي أن أكتشفه لو أني قرأتها حينما كنت طفلة.

 

* * * * * * * * * *

القصة كتبها الكاتب الدانماركي هانس كريستيان أندرسن ونشرها عام 1835. ولأندرسن الكثير من قصص الأطفال الشهيرة منها "ثامبلينا"، و"حورية البحر الصغيرة"، و"البطة القبيحة".

ونجد لعنوان القصة أكثر من ترجمة؛ "القداحة العجيبة" (ترجمة المكتبة الخضراء) أو "العلبة العجيبة" (ترجمة مكتبة لبنان). والعلبة أو القداحة التي تتكلم عنها القصة هي عبارة عن صندوق صغير كان يُستخدم في أوربا لحفظ أدوات قدح النار، ويحوي غالبا حجر صوان، ومقدحا حديديا، وأعواد ثقاب، وبعض المواد القابلة للاشتعال مثل الفحم أو غيره.

هي قصة جندي يقابل ساحرة تطلب منه النزول داخل جذع شجرة وإحضار قدّاحة جدتها، حيث سيمر ثلاث غرف، وفي كل غرفة كلب مخيف يحرس كنزا. ويمكنه -إن هو فرش مريلتها- أن يروّض الكلاب ويأخذ ما يريد من العملات الثمينة لقاء إحضاره القدّاحة لها. عند خروجه، يصرّ الجندي على معرفة سر القدّاحة، فيشتبك مع الساحرة ويقتلها (هذا في القصة الأصلية، أما في النسخ المعدّلة يهددها فتهرب). يُثرِي الجندي، ويسمع عن بنت الملك المحبوسة عن الأعين لأن عرّافة تكهّنت بأنها ستتزوج جنديا من العوام. تهفو نفس الجندي إليها، إلا أنه يبدد ثروته قبل أن يستطيع إليها سبيلا. وفي ليلة معتمة في سكنه المتواضع، يشعل قداحته فيكتشف أنه بذلك يمكنه استدعاء الكلاب العجيبة. فيعود ثريا بعد أن صارت الكلاب تلبي كل طلباته. يطلب الجندي من أحد الكلاب أن يُحضر الأميرة إليه خلسة وهي نائمة ليراها، ويفعل الكلب. وحينما تروي الأميرة أنها رأت في منامها أن كلبا يحملها على ظهره لتلتقي بجندي، يُراع أهل القصر برؤاها. تتبع إحدى عجائز القصر الأميرةَ مستعينة بحذائها السحري، وتؤشر باب قصر الجندي بعلامة. إلا أن الكلب يفطن إلى الأمر ويؤشّر بقية الأبواب. تربط الملكة كيس حنطة مثقوب بظهر الأميرة، فيهتدون بذلك إلى مكان قصر الجندي، ويقبض عليه ويجازى بالإعدام. لكنّه -وقبيل إعدامه- يستحصل على قداحته وينادي الكلاب لتحرره، وتدق عظام القاضي والملك والملكة (هذا في النسخة الأصلية، أما في النسخ المعدلة فيقتنع الملك بجدارته)، وينادي به الجنود والعوام ملكا للبلاد وزوجا للأميرة.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

غمغمات مُغتمة، وجعجعة كبيرة تصلصل في آخر عامين أو ثلاثة، وها هي تزداد اليوم مع تعاظم موجة الأعمال الأدبية التي لا تصل إلى الحد الأدنى من الجودة التي يتوقعها الوسط الثقافي. ورغم صعوبة تعريف الحد الأدنى للجودة، وصعوبة تحديد تخوم الوسط الثقافي، إلا أن المراقب سيشعر باستياء، ليس في هذا الوسط وحسب، بل حتى في أوساط أخرى لا تقرأ الأدب بالضرورة، لكن من يهمها أمرهم (أبناؤهم مثلا أو طلابهم) يفعلون. هذا ليس مقام التبرّم، وليس مقام العويل، هذا مقام التشخيص.

س: ما هي الأعراض؟

ج: أعمال أدبية مكتوبة بالعامية الفجّة، أو بلغة فصحى متواضعة وأحيانا سوقية ومليئة بالأخطاء اللغوية. القضايا ضحلة وعاطفية في معظمها، والمعالجة الأدبية ركيكة. باختصار، شروط العمل الأدبي معدومة أو تكاد. هذه ليست ظاهرة جديدة (هل نسيتم روايات عبير مثلا؟)، ولا يجب أن تثير قلق أحد إلا إذا علمنا أن هذه الأعمال تنال شعبية هائلة، شعبيةً لم تنلها الأعمال الرصينة قط!

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 

"كتابان في الشهر هما الحد الأدنى للثقافة". هكذا تخبرك بعض العبارات الهائمة الحائمة في الإنترنت. كتابان في الشهر؟ هكذا؟ بكل ثقة؟ بثقة طبيب متمرّس يصرف وصفات الدواء وهو موقن بالتشخيص وبنجاعة العلاج. مازلنا نتجادل في تعريف الثقافة، ثم يأتي أحدهم ليعطيك الحل السحري؛ عليك تجرّع كتابين في الشهر على الريق مع شيء من القهوة.

 

أنا مستعدة لسحب كلامي بل وشجبه إذا أتاني أحدهم بدراسة علمية منشورة في دورية مُحَكَّمة تثبت أنهّ عينة ما دُرست، وتبين أن كتابين في الشهر كانا الحد الأدنى للحصول على الثقافة، وأن هذه العينة "تمثيلية" ويمكن تعميم نتائجها على شريحة أوسع من الشريحة. أمّا المقولة أعلاه فهي والله أعلم رأي انطباعي من أحدهم، وصل به الصلف مبلغه كما وصل بالعطار أو حلاق القرية الذي يصف العلاجات ولا يبالي!

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

س: ما هي أفضل طريقة لتعريف مصطلح معقد مثل التناص؟

ج: الاطلاع على مثال عمليّ عليه.

 

لم يكن لي ضلع في هذا الاكتشاف، كان الأمر قدرا سعيدا أهداني الله إياه. حدث أن قرأت رواية الدكتور غازي القصيبي "سبعة"، ثم وبعدها بفترة قصيرة، قرأت في أحد الكتب إشارة إلى قصة الجارية "تودّد" التي وردت في ألف ليلة وليلة، فشعرت بأمر مألوف في القصة. هرعت إلى "ألف ليلة وليلة" أقرأ ما قالته شهرزاد عن حكاية "تودد" الجارية الألمعية، وأقارنه بـ"جلنار" الشخصية المركزية في رواية "سبعة"، فخرجت بتشخيص قاطع: هذه حالة تناص ناجحة، تناص استعار الهيكل العام وحسب، ووضع بصمته الخاصة على كل صفحات العمل، تناص له تفاصيل مغايرة، ونهاية تكاد تكون مناقضة للنص الأقدم.

 

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 

ترى، كيف سيكون شعور الكاتبة الشهيرة «ج. ك. رولينغ» مؤلفة سلسلة «هاري پوتر» الشهيرة حينما تعلم أن بعض إصدارات سلسلتها قد قفز إلى «الطبعة السادسة والسابعة» في اللغة العربية، في حين أنه لا يزال في طبعته الأولى باللغة الإنكليزية!

قبل أن نستقصي الشعور المحتمل للمؤلفة، علينا أن نفهم ماذا تعني كلمة «طبعة»، وكيف أن هذا المصطلح الدقيق والنافع تحول إلى أداة تضليل على القارئ في عالمنا العربي.

ما حدث هو أن هناك خلطا – قد يكون متعمدا بغرض التدليس أو بريئا بسبب الجهل- بين مفهوم الطبعة Edition وإعادة الطباعة Reprint. ومن الظاهر أن الغالبية الساحقة من الناشرين العرب لا يستطيعون التفرقة بين المفهومين، أو لا يريدون، أو كليهما معا!

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

السؤال الأول:  (درجتان)
مُراعيا أصول التلخيص التي تعلمتها، لخّص فيما لا يزيد عن أربعة أسطر رواية "ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود السنعوسي.

الإجابة:
تزوج راشد الطاروف سرا بالخادمة الفلبينية جوزافين، التي أنجبت له صبيا سمّاه عيسى. تحت ضغط الأهل اُضطر راشد إلى إرسالها ووليدهما إلى الفلبين، حيث نشأ عيسى/هوزيه وقد حمّلته أمّه بفكرة أن الكويت فردوسه الموعود. لكنه حينما عاد للكويت، اكتشف أنها ليست كذلك، فعاد للفلبين حيث تزوج ابنته خالته التي طالما أحبها، وأنجبا صبيا، وعاشا في سعادة وهناء.

* * * * *

هكذا يمكنني تخيل سؤال منهجي قد يرد مستقبلا عن هذه الرواية. وهذا ليس مجرد تمرين على التلخيص، بل درس بأن القصة العامة ليست كل شيء، فإنما الروايات بتفاصيلها.

فحينما نتمعن في ملخص القصة، نجد -ويا للغرابة- أننا أمام شيء قريب من الميلودراما بكل المعنى السلبي للكلمة. شيء قريب مما قد نقرأه من القصص الشاجية في الصحف الفضائحية، أو المنتديات، أو ما قد يستعرضه برنامج تلفزيوني اجتماعي يهدف للإثارة. لكن مهلا! لا تحكموا على كتاب من عنوانه، ولا على رواية من ملخصها. 

يقول عمر بن الوردي:
خذ بنصل السيف واترك غمده *** واعتبر فضل الفتى دون الحُللْ
القصة الواردة أعلاه كانت الغمد فقط، غمد بسيط في الحقيقة، لكنه يُقِل سيفا حادا ذي نصل موجَّه إلى مفاصل مهترئة في مجتمعنا.


* * * * *

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

السؤال الأول:  (درجتان)
مُراعيا أصول التلخيص التي تعلمتها، لخّص فيما لا يزيد عن أربعة أسطر رواية "ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود السنعوسي.

الإجابة:
تزوج راشد الطاروف سرا بالخادمة الفلبينية جوزافين، التي أنجبت له صبيا سمّاه عيسى. تحت ضغط الأهل اُضطر راشد إلى إرسالها ووليدهما إلى الفلبين، حيث نشأ عيسى/هوزيه وقد حمّلته أمّه بفكرة أن الكويت فردوسه الموعود. لكنه حينما عاد للكويت، اكتشف أنها ليست كذلك، فعاد للفلبين حيث تزوج ابنته خالته التي طالما أحبها، وأنجبا صبيا، وعاشا في سعادة وهناء.

* * * * *

هكذا يمكنني تخيل سؤال منهجي قد يرد مستقبلا عن هذه الرواية. وهذا ليس مجرد تمرين على التلخيص، بل درس بأن القصة العامة ليست كل شيء، فإنما الروايات بتفاصيلها.

فحينما نتمعن في ملخص القصة، نجد -ويا للغرابة- أننا أمام شيء قريب من الميلودراما بكل المعنى السلبي للكلمة. شيء قريب مما قد نقرأه من القصص الشاجية في الصحف الفضائحية، أو المنتديات، أو ما قد يستعرضه برنامج تلفزيوني اجتماعي يهدف للإثارة. لكن مهلا! لا تحكموا على كتاب من عنوانه، ولا على رواية من ملخصها. 

يقول عمر بن الوردي:
خذ بنصل السيف واترك غمده *** واعتبر فضل الفتى دون الحُللْ
القصة الواردة أعلاه كانت الغمد فقط، غمد بسيط في الحقيقة، لكنه يُقِل سيفا حادا ذي نصل موجَّه إلى مفاصل مهترئة في مجتمعنا.


* * * * *

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 ما أرانا نقول إلا مُعَارا ***  أو مُعَادا من لفظنا مَكْرُورا

(زهير بن أبي سُلمى)

 

بين التنَاص والتلاص مزالق كثيرة.وإن كنتم تتساءلون عن معنى التناص، فمثالٌ عليه الجملة الأولى في هذه المقالة، ففيها تناص مع المثل القائل "بين الشفة والكأس مزالق كثيرة". فالتناص نوع من أنواع إعادة الاستعمال غير المباشرة، هو اقتباس لروح الفكرة، وإعادة صياغته في سياق آخر قد يكون مختلفا تماما. وأعلم أن هذه المصطلحات النقدية ثقيلة على القلب وعلى العقل، لكن "لا بد مما ليس منه بد". مهلا، هل وضعت لتوّي عبارة "لا بد مما ليس منه بد" بين علامتي تنصيص؟ أجل، هذا اقتباس مباشر، أو استشهاد. وبين العوالم الثلاثة (عالم الاقتباس المباشر، وعالم التناص، وعالم التلاص)، مزالق، ودروب لحِجَة، وعراكات نقدية كثيرة!

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

حينما كان الشعر ديوان العرب، كانت العرب تقول "أعذَبُه أكذبه". وحينما صارت الرواية ديوان العرب وديدنهم، صار "أعذبه أوقعه"!

1- هذا الأديب برعاية ...!

للأمانة، من الصعب أن نفصل عن الكذب المباح؛ فهناك عقد ضمني بين الأديب والقارئ/السامع بأن ما يرد من أحداث هو خيال كامل أو جزئي، وبأن هذه التراكيب لا تصح فعلا، إنما في أسلوب أدبي. بل لربما من الصعب فصل اللغة عن الكذب، فالمجاز يحتل قسما لا بأس به من اللغة، وهو –عمليا- نوع من الكذب. لكن الناس تواضعوا على قبوله. ومن قالوا أن أعذب الشعر أكذبه. وليس عن كل هذا أتكلم اليوم، بل أتكلم عن نوع آخر من الكذب، فقد بالغ بعض (أو حتى كثير من) العرب في التجوز في الكذب، فخرجوا عن الكذب الأسلوبي والكذب في الأحداث إلى التزلف وإلى استخدام الشعر مثلا كأداة إعلامية "بروباغاندا" لكياناتهم الاجتماعية في الجاهلية، وإلى وسيلة للمدح الارتزاقي كثير بعض الحقب.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

أدناه أسئلة مشروعة كثيرا ما تردني. وما سأجيب به هو مجرد أبواب أشرّعها لكم كي تفكروا في الأمر. لا شيء أثقل على قلبي من الوصفات الجاهزة، ومن الكتّاب الذين يبتكرون القوانين ويختبرونها على قرائهم. إجاباتي هي تجربتي الخاصة المُعْلِمة لا الملزمة، اطلعوا عليها لكن لا تقبلوا بالتخلي عن أدواتكم المخبرية ومحاليلكم وحلولكم. إذا اتفقتم معي، أخبروني، وإذا اختلفتم نوروني.

إنها رسالة أحملها لأقول لكم أن القراءة تُقرِئُكم السلام، أنها تُحَييكم كي تُحْييكم. فهل ستردون التحية بمثلها أو بخير منها؟

 

1. لماذا أقرأ أصلا ومن لم يسرع به علمه، أسرعت به "واسطته"؟! أريد فوائد عملية حتى أقتنع، لا أريد تنظيرا فارغا.

- القراءة تخرج الإنسان من إطار المعلومات المتشظية، إلى إطار المعرفة. فعقولنا ملئى بأكوام من المعلومات نتلقاها من حياتنا اليومية، ومن التلفاز، والإنترنت، والصحافة، وهنا وهناك. لكن القراءة تساهم في سبك هذه المعلومات في إطارات منهجية، وتساعدنا على جمع هذه المعلومات والأفكار المتناثرة، وضمها في "ملفات"، ومن ثم في "مجلدات" إذا استخدمنا المجاز الحاسوبي.

- القراءة توسع أفقنا، لأنها تعيرنا عقول أشخاص آخرين، وتجاربهم، ونظرتهم في الحياة. وكثيرا ما نستفيد ممن يخالفونا في الرأي لا من يسبحون معنا في الموجه نفسها. ألم يقولوا في السفر سبع فوائد؟ ما قالوا هذا إلا لأن المسافر يخالط بيئة وأناس وأفكار تختلف عنه، فتثريه. وكذا هي القراءة.

- القراءة تبلسم جراحنا، خاصة القراءة في الأدب "المحترم". فحينما نرى ما يمر به الآخرين يهون علينا ما نمر به. كما أن القراءة الأدبية تمنح الإنسان مرونة نفسية ومواقفية، إذ تجعله مهيئا بمخزون نفسي للتعامل مع مواقف لم تمر معه حياتيا، لكنها مرت معه قرائيا.

- القارئ إنسان واثق، لأنه أفكاره مرتبه، وهو بالتالي أقدر على النقاش السليم بناء على علو الحجة على علو الصوت.

- القراءة تساعدنا على اتخاذ القرار الصحيح، لأننا نملك المعرفة المناسبة، في الوقت المناسب. إنها تعطينا القدرة على اتخاذ القرار المناسب بالتكلفة المناسبة. وكم من قرار كلفنا كثيرا بسبب ضيق أفقنا أو قلة معرفتنا.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)


رميو: الرجل الذي عشق ذاته


إذا أردنا تصوير الأمر بلغة عصرنا، فإن روميو ضغط بزر الفأرة الأيمن على "روزالين" وأودعها سلة المهملات. ثم ضغط على السلة مجددا وفرّغها من أي أثر لهذه التي كواه عشقها وصدها. كيف حدث ذلك؟ وهل يتخلى الإنسان عن تعلقه بهذه السهولة والسرعة؟ رجل من فصيلة "رميو"، يمكن له ذلك وبسهولة جدا.

كان روميو المكتئب في حفلة يلاحق روزالين العصيّة التي لا تمحضه الحب بتاتا. يحاول روميو اقتناص نظرة لروزالين لعل وعسى، فيحدث أمر هام يجعل روزالين نسيا منسيا؛ "جولييت"! وجد روميو امرأة جميلة، وتحمل ذات القدر من "التحدي". امرأة يمكن أن يصفع روزالين بها.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

بين الفينة والأخرى أُسئل سؤالا محرجا مزعجا وهو "كيف أتعلم الكتابة؟". ورغم مرور قرابة الاثنتي عشرة سنة قضيتها في الكتابة، فإني أتلجّم وأتلعثم أمام سؤال كهذا؛ سؤال يتوقع إجابة علمية وعملية على أمر أقرب إلى الفن. حينها لا أملك إلا النجاة بالصدق، فأقول للسائل "اتبع نظام اخدم نفسك بنفسك؛ اقرأ ولاحظ ما يفعلون، وستعرف سر الصنعة".

لا ضير من تعليم الناس كيفية كتابة البحوث مثلا أو التقارير أو الأخبار الصحافية أو غيرها من صنوف الكتابة الرسمية التي لا تخلو من قواعد حاكمة، بيد أني لا أستطيع أن أخفي استغرابي حين أرى إعلانا لدورة في الكتابة الإبداعية (مقالة أو قصة قصيرة مثلا)، تعلّم الناس –في الغالب الأعم- الكتابة على الطريقة الحربية! إذ يعلمونهم أن للمقالة مقدمة ومتن وخاتمة، تماما مثل الجيش الذي له مقدمة وقلب وساقة. هنا، لا أجد فرقا بين البحث العلمي والمقالة إلا في الحجم، تماما كالفارق بين الجيش والسريّة! دعيت ذات مرّة إلى دورة مشابهة، ففضلت الحديث عن الأخطاء اللغوية التي يقع فيها الكُتّاب، بدلا من تعليم الحاضرين كيفية ربط الكلمات والفقرات بالصمغ.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

ورقة قدمتها الكاتبة حياة الياقوت في الحلقة النقاشية التي عقدتها مجلة الوعي الإسلامي، الاثنين 24 ذو القعدة 1431 الموافق 1 نوفمبر 2010 حول "أسباب العزوف عن النقد والأدب"، بمشاركة كل من: د. محمد إقبال عروي، والشيخ طلال العامر، والكاتب أمين حميد عبد الجبار، والكاتبة حياة الياقوت.

 

بداية، جئت هنا محمّلة بكثير من التحايا، وواجب عليّ إيصالها:

- النبطي، والملحون، والزجل يحييونكم جميعا. ويخبرونكم أنهم في خير خير حال.

- أما "روايات عبير"، و"روايات أحلام"، وبقية القصص الرومانسية للجيب، والروايات المعربة-المهرّبة فتقرئكم وافر السلام وتقول لكم بالمناسبة "الكمية محدودة، احجز نسختك الآن".

الأدب يا قوم في صحة وعافية وبحبوحة، حتى أن وزنه ازداد مؤخرا بضعة كيلوغرامات! :)

هذه كانت مقدمة واجبة، لنعرف أن المعضلة ليست معضلة أدب، بقدر ما هي معضلة يواجهها صنف معين من الأدب. مصائب ومصاعب الأدب الفصيح، الأدب "الملتزم" –على العمومية المزعجة لهذه الكلمة- هذه المصائب ينظر لها فرع آخر من الأدب باستغراب وهو يرفل بثياب الصحة ويحمل صولجان المجد.


* * * * *

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

هل تذكرون الأسد الهصور الزؤور في شعار شركة Metro Goldwyn Mayer (MGM)، والذي كان كثيرا ما يظهر قبل بداية "توم وجيري"؟


دققوا فوق رأسه جيدا وستقرؤون عبارة مكتوبة باللاتينية تقول Ars Gratia Artis أي "الفن من أجل الفن". ولأجل هذا كنّا ولا زلنا نفرح ونطرب ونضحك من توم وجيري، لكن ولأجل هذا أيضا نجد أن نزعات التبلد تجاه العنف أو ربما استحسانه بدأت تظهر على الأطفال الذين يظنون أن العنف يمكن أن يكون مسليا، وأن ضرب أحدهم بسندان على رأسه لن يخلف سوى انتفاخة صغيرة!

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

قرائي الأعزاء،

فيما يلي 3 فصول من روايتي التي أنهيتها مؤخرا. يسرني كثيرا أن أتلقى آراءكم في اللغة والأسلوب والسرد.هذا ولم أختر اسما للرواية بعد، إذ لا أزال حائرة بين عنواني أو ثلاثة.

علما بأن العتب مرفوع، و"الزعل" ممنوع، وسعادتي بالنقد والتصويب أكثر من سعادتي بالثناء والإطراء.

وعليّ أن أنوّه بأن المكتوب ليس سيرة ذاتية، ولست قطعا بطلة الرواية. :)

فلا تبخلوا بغيثكم المديد. أنتظر رأيكم الرشيد. إني أستشيركم، و"المستشار مؤتمن" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا تنسوني من دعواتكم بأن أجد ناشرا مناسبا للرواية، ناشرا ذا ضمير!