Text Size

«المُخوزِق»: امتزاج الفانتازيا بالتاريخ

(نشرت في جريدة الراي الكويتية، 4 يونيو 2013، صفحة 38)
الرابط النصي  ||  نسخة PDF

لطالما كانت الحكاية غربية السرد أيا كان دراكولا الذي نتحدث عنه، سواء أكان ذاك الذي يظهر في أفلام الرعب، أم كان "الكاونت" دراكولا المسلي الذي يظهر في النسخة الإنكليزية "شارع السمسم" ويعلّم الأطفال العد. الجديد في رواية "المُخوزِق" للروائي السعودي أشرف إحسان فقيه هي أننا نسمع الحكاية بلسان مشرقي.

اِقرأ المزيد: «المُخوزِق»: امتزاج الفانتازيا بالتاريخ

أشد مضاضة من الحسانِ، ومهند!

أخذت أتمعن في صفحة الجريدة التي احتلت صورة مهنّد ونور ربعها تقريبا لأجد الإجابة. حتى أني كدت أقلب الصورة رأسا على عقب لعلّي أُوتى منها بخبر أو سر توله وتدله الفتيات بهذا المهند، لكني حِرْتُ جوابا.


أنعم الله علي بأن قللت وقننت كثيرا من مشاهدة الأفلام والمسلسلات. بل أني أقر وأنا في كامل قواي العقلية أن مشاهدة الرسوم المتحركة أفضل بكثير من مشاهدة ما يُبث على شاشاتنا من أدران. ولذلك لم أفطن لعاصفة مسلسلي "نور" و"سنوات الضياع" إلا حينما فوجئت مؤخرا بتقارير تنشر في الصحف، وبصور تنتشر على القمصان، وبمشاعر تختلج في الصدور وعلى الألسنة.

اِقرأ المزيد: أشد مضاضة من الحسانِ، ومهند!

تسليع الأنثى وتأنيث السلعة: بين الاستهلاك والإهلاك

يقول النحويون: "التسكين سلاح العاجز". فمن لا يتقن الإعراب يلجأ إلى تسكين أواخر الكلمات لئلا يُفضح جهله. وفي عالم الإعلان لا يختلف الوضع مبدئيا، إذ صار "التأنيث" سلاح العاجز والكاسد من السلع. المشكلة أن هذا الوضع استشري بين كالح السلع ومليحها على حد سواء فعمت البلوى فصارت أقصر طريق إلى عين المستهلك وجيبه إقحام أنثى ما في الصورة الإعلانية.

انظروا حولكم: اللوحات الإعلانية في الشوارع وعلى الحافلات، الإعلانات في المجلات وعلى شاشات القنوات، كلها وبقدرة قادر صارت تنضح أنوثة وكأن المرأة هي المستهلك الوحيد في الكون. صحيح أن النساء يملن إلى التسوق أكثر من الرجال وهذه تهمة لا أنفيها لا عن نفسي ولا عن بنات جنسي، لكن هل قرر الرجال التقشف والتوقف نهائيا عن التسوق مثلا؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ لكن مهلا، فهناك ما هو أدهى وأمر. هل لاحظتم أن الإعلانات الموجهة للرجال وبقدرة قادر صارت تعج هي الأخرى أنوثة؟

اِقرأ المزيد: تسليع الأنثى وتأنيث السلعة: بين الاستهلاك والإهلاك

"فـالنـتـاين" وذو السهمين

ترى، ما سبب الاحمرار المفاجئ لكل شيء حولنا؟ هل صرت مهمّة إلى هذا الحد، فقرر الناس أن يسروني بكسو كل شيء بلوني المفضل خاصة وأن ذكرى يوم ميلادي اقتربت؟
انظروا حولكم أعزائي، كل شيء صار أحمر اللون في غضون ساعات، ولا أعني هنا أن الناس أظهروا "العين الحمراء" لبعضهم البعض، فهذا عصر العيون الحوراء، والحولاء أيضا. بعد التفكير، لعل الشوارع احمرّت خجلا من مستوى التعليم لدينا، ومن تردي الأخلاقيات، ومن فشل الإعلام، فقررت أن تحمر خجلا نيابة عنا؟

اِقرأ المزيد: "فـالنـتـاين" وذو السهمين

من الإنشاد الابتهالي إلى الإنشاد الحضاري قبل فوات الأوان!

حتى أكون صريحةً وواقعية، أجدُ صعوبةً كبيرةً في تغيير أفكار كثير من المتشككين من العرب الذين يرون أنّ الإنشاد السائد حاليًا ليس إلا نسخةً منقّحةً ومعدّلةً من أغاني بعض الصوفية المبالغ فيها، وأجد صعوبة أكبر في إقناع الغربيين أن الإنشاد ليس المرادف الإسلامي لترانيم الكنائس.

اِقرأ المزيد: من الإنشاد الابتهالي إلى الإنشاد الحضاري قبل فوات الأوان!

أَفـْعَـل التفضيل العكاشية واستغباء المشاهد

وزن أُفـْـعـَـــل الذي يستخدم في اللغة العربية للدلالة على التفضيل - سواء أكان التفضيل سلبيا أم إيجابيًا - والذي نجتره يوميا في أحاديثنا دليل مبهر ومضجر على الأحادية الفكرية التي نعاني منها. وإذا شككت في الأمر أفتح أي مطبوعة لتجد عبارات تعج بالأفضلية، ابتداءً من "أنصع"غسيل و"أفضل" فنان، و"أشعر" شاعر و"أعظم إنجاز" و"أكبر" مستشفى.

اِقرأ المزيد: أَفـْعَـل التفضيل العكاشية واستغباء المشاهد

في عقليتنا مشعوذ! والربح إلى جيوب الأبراجيين

ليس لشيء أن يكون أكثر إثارة للصعق و الحنق من أرقام مبيعات كتب الأبراج في العالم عامة و في العالم العربي تحديدا. و يبدو أن أزمة القراءة التي نتشاكى و نتباكي منها أزمة استنسابية، ففي حين تتقاطر الجموع للحصول على كتاب الأبراج بمناسبة السنة الجديدة، نرى الكتب الجادة تتضور إهمالا. اذا أزمة القراءة أزمة نوعية بالدرجة الأولى لا كمية.

ما يهمني هنا هو شعبية فئة من الكتب و المطبوعات التي تفتقر الى ابسط أسس التفكير العلمي النقدي، و ما يهمني أكثر تيار شعبي يبرر و يدافع عن هذه تحت حجج رائجة لكن زائفة، تلمع لكن تقمع، تقمع اهم ما منحنا الله و كلفنا به: العقل.

اِقرأ المزيد: في عقليتنا مشعوذ! والربح إلى جيوب الأبراجيين

و "كليب" وما قلب! قراءة نقدية في "الساميوسفية"

أن تسمع اسم الله والصلاة على نبيه في قناةٍ لا تـُـؤنسُ فيها سوى عروضٌ لأجسادٍ متراقصة ولا يُسمع منها غير معانٍ لا تخرج عن فئة "أحبها وتحبني وتحب ناقتها بعيري" يعني أمرا من ثلاثة:

1- إما إنك في حالة ذهنية غير مستقرة، على سبيل المثال: ترى حلم يقظة / تتوهم / أو في أحسن الحالات تتخيل آملاً.
2- إما أن هناك اختلاطا في البث، فحلت قناة أخرى محل تلك القناة.
3- وإما أن سامي يوسف أشرق هناك.

اِقرأ المزيد: و "كليب" وما قلب! قراءة نقدية في "الساميوسفية"

و أنا ايضا: رسالة الى الله

كتب هذا المقال موازاة لمقال "رسالة الى الله" - بقلم عقل العويط - جريدة النهار

كيف اكتب اليك و لِمَ و انت الحكيم العليم. ثم ما حاجتك بكتابتي؟ هل كان على ان انتظر الى ان يرسل احدهم برسالة اليك  حتى اكتب و كأني من اولئك "الردود فعليين" الذين يجعجعون وقت الحصار، الدمار،  العار او حتى الاعمار ، ثم يسكنون و يتلاشون في انتظار ما يثار. ثم من انا حتى احاكم "عقل" الآخر أصاب او اخطأ. انت كفيل بمن يناجيك اساء الادب او احسنه. فانت رحيم و لكن بعدل و عادل و لكن برحمة. و من رحمتك ان هنالك من يبعث بالود لمن لم يحسن معك في التعبير، رغم موج التكفير. بلى، انت اله الرحمة و الحب. من يقول غير ذلك؟

اكتب فقط لاني اشعر بان على ان اكتب لك لا رد فعل على احد،  لا تجريما و لا  تصفيقا، فلنقل انها مناجاة و لكن هذه المرة على الورق او على "بيكسلات" الشاشة، بدل الصوت على اللسان. هكذا حال الاطفال صغار العقول و ان كبرت مثلى، لا يتمالكون انفسهم اذا رأوا شيئا دون ان يجربوه، لا تقليدا و لكن ربما فضولا. ثم اليس الفضول اهم من المعرفة؟ بل و ربما شوقا و توقا. أ و ليس التوق - و ان رآه البعض ممجوجا- افضل من التمنع الكاذب؟

احادثك في اي موضوع اشاء؟ و كيف لا، و انت لست فقط الحبيب و لكن المجيب. هل من موضوع افضل من سنتك في الكون التي لا تبديل فيها؟ " التاريخ يعيد نفسه" كم مرة كررنا هذه العبارة؟ و كم مرة قلنا " ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"؟ و كم مرة رددنا ان... لا يهم ما نردد، انت تعلم انا نعلم و لا نعمل، نتحاذق فقط. السؤال لماذا ينتصر من لا يحبك "عمدا او جهلا"  و نتقهقر نحن؟ هل هذا يعني ضمنا ان الايمان وسيلة للتخلف؟ أ لهذا يسمونه افيونا؟ لماذا نخسر و نحن مؤمنون؟

لست اعلم عدد الايادي التي ترفع كل جمعة بذات الدعاء، انت تعلمها، و الاهم انك تعلم بحكمتك الغامرة انها لن تلق الاجابة ليس لانك لا تقدر ان تجيب كما قال بعضهم، بل لاننا نحن الذين لا نستحق ان يستجاب لنا. و انا في علم اليقين و عينه انك لن تجيبنا، لان اجابتك لنا تعارض بفداحة سنتك في الكون، في انك تنصر من يجهد فيستحق، آمن بك او كفر فانت اكبر من ان تظلمهم لعدم ايمانهم فتعاقبهم مرتين على ذنب واحد. عقاب واحد لذنب واحد، هذا قانون آخر لسنتك. انت رب الجميع شاءوا او ابوا، لكنك إلهنا – او هكذا ندعي- و الى ان نعمل على ان تكون الهنا فعلا فنحن على ارض المساواة معهم. فلكل منا عطاء الربوبية الذي لم نستحقه ايضا، يا لكسلنا! لا زلنا نعول على الطوفان. اما عطاء الالوهية، و النصر الذي من عندك، فارجوك لا تبعثه، اعني ليس الان. لاننا ابتغينا العزة بغيرك، و نصرك لنا قبل ان نستوفي الشرط  ظلم و انت حرمت الظلم على نفسك.

لان ليس لسنتك تغيير او تحويل و لا تبديل و لا حتى تعديل، لا حل سوى ان نتغير، نتحول، نتبدل بان يحل آخرون محلنا استحقاقا، او نتعدل . و ان تغيرنا فلن تخذلنا، و لو كان الرهان حلالا لراهنت على ذلك بعقلى و قلبي.

ابداع جبار!  هل اللغة اختراع ام معجزة ام ماذا؟ لا يهم، المهم انها مذهلة ليس لاهميتها المُطْبِقَة فقط، و لكن لان تشابه الاحرف و المباني يحمل في طياته تشابها في المعاني. العلم و العمل: بالكاد نملك الاولى فكيف بالثانية؟ الجهاد و الاجتهاد: الزيادة بالهمزة و التاء ليس فقط جهدا اضافيا لاجهزة النطق و اللسان بل للعقول و للسواعد ايضا. كيف يأتي الجهاد دون اجتهاد؟ ربما عندما نغلب العاطفة على العقل؟ كيف فعلنا ذلك و قد امرتنا بان نقرأ قبل ان نتعبد، اي ان نفكر قبل ان "نتوجدن". فالعقل سابق العاطفة و سائقها. هل قلت جهاد و اجتهاد؟ هنالك الاجهاد ايضا. و الاجهاد هذا هو ما اصابني و الهمزة الزائدة تعني ان الجهد زاد الى ان قاد الى درجة التعب و الانهاك و هي شىء يصيبنا نحن البشر و لا يصيبك انت. لا تأخذك السِنَة، اما انا فبلى.  ما أصغر عقلي الكبير!، كيف لا تعلم ذلك. كيف لا؟ رحماك يا عدل، و عدلك يا رحيم. تعاليت و تباركت فباركت من استحق البركة.

رياح التغيير : الوجه الذي لا نعرف

في العامية الكويتية يقال " وجه تعرفه احسن من وجه ما تعرفه " و كثيرا ما تُردد عبارة "الله لا يغير علينا " وفي معظم اللهجات العربية يقال " الله  يرحم ايام زمان " .اما في اميركا يقال if it aint broke don’t fix it  او اذا لم يكن الشيء مكسورا، فلا تصلحه.

و على ما يبدو فان مقاومة التغيير طبيعة بشرية في مجملها ترتبط بارتسام الخوف على الوجوه و في القلوب من المجهول ، و يبدو ايضا ان من هم اكبر سنا اوفر حظا ( او اتعسه ) في هذا الخوف !

المشكلة ليست في ذلك طالما ان كل البشر – او معظمهم – يرهب ما و من يجهل ، بل المشكلة في كل المشكلة في ارتباط هذا الخوف بال"نوستالجيا" و هي الارتباط غير الواقعي و غير السوي بالماضي -بعيوبه و عقده- بتحويله ملهما للحلول و مقصدا للاتجاه عوضا عن المستقبل.

هنا يستحيل العرف و العادة و الموروث و التاريخ ليس الى امر واقع و حسب ، بل و الى مصدر للشرعية و محتكر لها – حتى لو اختلف مع الدين و المنطق في بعض الاحايين – و يتم تصوير كل محاولة لتعديله ، تغييره ، او الغائه على انها تمرد و مروق على "الحق " و "الصواب " .

اجترار الماضي حل انسحابي كاحلام اليقظة المتواترة . اثارت ضحكي و حنقي في آن احداهن حيث قالت لي : " فقط لو يعود صلاح الدين ، ستحل كل مشاكلنا مع اليهود " . المشكلة ان صلاح الدين قد قضى و ليطيب الله و ثراه و ليجزه خيرا بما فعل و الموتى لا يعودون و التفكير الرغائبي لا يفعل شيئا سوى تأخير التقدم . ليتها فقط قدمت رؤيتها عن كيفية ان يصبح احدنا صلاح الدين ( شريطة ان يكون متوافقا مع الالفية و لا يبدو كمن خرج لتوه من خيمة في الصحراء ) ،عمليا و بخطوات واضحة بدلا من الاستسهال و استيراد الحل من الماضي – رغم انه جميل في هذة الحالة و ليس تعلقا تاما بموروث بال- لكنه يظل حلا غير سوي و غير ناجع.

"التَـمَـسْـمُر" بالماضي  ليس هو الحل  ف"النوستالجيا" خيار العاجز الذي يفضل ان يندب حظه و يبكى على الاطلال و يسلي النفس بنظريات المؤامرة –صحت او لم تصح- و يتحسر على ما فات منتظرا الفرج من كتب التاريخ متناسيا -لا ناسيا- بان السماء لا تمطر لا ذهبا و لا فضة و ان التاريخ لا يعيد نفسه من تلقاء نفسه او بترحمهم عليه بل بفعل من قرر ان يصنعه . هنا على رياح التغيير ان تهب لتعالج جهلنا. فيكون علينا ان نبحث هذة المرة عن الوجه الذي لا نعرف عله يكون افضل و انجع من ذلك الذي نعرف .

الحوار تلافياُ للتلف

 

في عالم مر بمراحل تاريخية متشابهة تسير في نمط متقارب ،ساد فيه "السلام الروماني " ف"السلام البريطاني " ف "السلام الأمريكى " ، يخاف "الغرب" او لنقل "الآخر" من ان تأتي قوة -فعلية او احتمالية- فتسحب البساط من تحت قدميه. السلام الاسلامي Pax Islamica  هو المرشح الاقوي على المستوى النظري على الاقل . بيد ان الحل يكمن في الحوار  لا الصدام طالما انه في اجواء الحرية الكاملة لا ينتصر الا الاسلام لان له ربا يحميه.

على مر التاريخ ، كان هنالك دوما حضارة قوية مسيطرة - و حضارات اخرى اما تسلم مذعنة مندمجة مع الحضارة الاقوى ، او تتحين الفرصة كي تحل محلها. للاسف و لحسن الحظ معا في آن ! ، فان الاسلام لم يصل بعد الى مرحلة "البعبع " و لا يزال  امام ابناء هذا الدين الكثير كي يغدو جديرا بان يقف كخصم فعلي ، و هذه حجة لنا بان الوقت مازال مبكر لهذه "الاستعدائية الاستسباقية " التي ترى الاسلام الخصم القادم ، فلنقنعهم ان الاسلام خصم محتمل ، و الافضل لكم ان تحاوره الان ، قبل ان ينتصر و يحل محلكم و عندها قد يرفض الحوار معكم كما ترفضون الحوار معه الان ! فلنخبرهم ان ديننا انساني بل و عالمي عولمي، فلنخبرهم بان حضارة الاسلام هدفها تحقيق اكبر قدر من العدل ، فحين ان حضارة "الاخر " -ايا كان - هدفها تحقيق اقل قدر من الظلم و حسب .

السؤال الاهم :  ماذا فعلنا كي نسمعهم صوتنا ؟ و كي نحل "عقدة الفتوحات " التي لدي عامتهم و " عقدة الخبث" التي لدي بعض من مثقفيهم و الكثير من اجهزتهم الاعلامية صهيونية التمويل ؟ فنحن قطعا لا نريد لكل من الطرفين ان يستمر في "شيطنة "  الاخر .الا ان احدا لا ينكر  الدور السلبي لنا كمسلمين في الابقاء الى الوضع القائم  و الركون الى الشجب و التنديد بالاعلام الغربي الانتقائي الصهيوني التمويل الذي يتربص بنا ، دون ان نقدم البديل له سوى "محاورة الذات " و التظلم و التشكي مما يٌفعل بنا .

نجاح حوار الحضارات  يشترط في البداية حوار "الانا " مع "الانا " قبل حوار "الانا " مع الاخر .المصالحة مع الذات جد مهمة ، و عوامل بناء الثقة  على المستويات الحوارية الاسلامية هي ما يؤهل المسلمين ان يكونوا قادرين على بدء حوار متسق ، متزن ، فعال ، غير استلابي مع "الآخر " .

تلافياُ للصدام قبل التلف ، ستظل العلاقة عدائية ، استلابية ، و "اعدقائية " في احسن احوالها ما لم يبدأ حوار الانا  مع"الانا و يليه حوار متكافئ ، حوار لا يهدف الى "تركيع " "الاخر" - و هذا يشمل كلا طرفي او اطراف الحوار-  بقدر ما يهدف الى اكتشافه و الاستماع له في جو من العدالة و الحرية التي لن ينتصر في اجوائها الا الافضل ، الاكفأ و الاحق .

الكذبة السبتمبرية و العقلية الاستسهالية

هكذا و بكل بساطة و دون أدنى احترام لآيات الله تعالى ، تنتشر كالفطر الرسائل الاكترونية التي تدعى بان أحداث الحادي عشر من سبتمبر نبؤة قرآنية فتقول " ان يوم الانهيار هو الحادي عشر و هو ذات الجزء الذي تقع فيه الاية  ، و رقم سورة التوبة هو 9 و هو شهر الانهيار ، اما العام فهو 2001 و هو عدد الاحرف من بداية السورة حتى الاية 110 و التي تمثل عدد طوابق المبنى. اما الشارع الذي يقع فيه المبني فهو شارع "جرف هار " و هو ما ذكر في الآية 109 ".

ابتداع اسباب النزول امر مريع.فسبب النزول الأصلي للآية هو بناء المنافقين  لمسجد ضرار الذي امر الرسول –صلى الله عليه و سلم - بهدمه. و رغم انه قد يَصْدُق  ان يكون للاية اكثر من سبب نزول اعجازا لمن اراد ان يعقل رغم ان البعض يرى ان سبب النزول مانع، بيد ان

السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه : هل اذا اراد الله عز و جل  تأريخ امر ارّخه بالتاريخ الميلادي شهرا و يوما و سنة ؟

و اين قوله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً ) و المقصود بها الاشهر القمرية و تبعا لها التقويم الهجري ، و استعمال عبارة " عند الله " في هذة الاية يماثل استعمالها في (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الاِسْلامُ) ، و يحقق ذات المعني : الحصرية و نفي الباقي .

البعض يتحاذق و يقول ، انها ارخت بالميلادي تبعا لتقويم اهل البلد الذي وقعت فيه الحادثة. اذا سلمنا بذلك، يكون السؤال السنا نحن من يقرأ القرآن بصورة رئيسية ؟ ثم اليس هذا اعترافا و شرعنة للتقويم الميلادي ؟ ثم  او كلما حدث حدث ارخه القرأن بتاريخ قومه ؟

السؤال المنطقي الاهم : هل ما حدث يرضي الله تعالى؟ علينا الا نخلط بين التشفي و بين الحق . ما حدث في سبتمبر – على افتراض ان الفاعل مسلم – لم يغير انحياز  السياسة الخارجية و لم يجعلها اكثر عدالة و لن يفعل ،  بل تحول الى مَمْسَك و حجة ل"شيطنة" الاسلام و تبرير الخوف منه و تأصيل العمل ضده . هنا تحول الخوف من الاسلام من خوف بسبب الجهل به و النظر اليه على انه منافس مستقبلي محتمل ، الى عدو قائم لا داع للعلم به ، بل يتم التعامل معه على اساس الانماط المغلوطة السابقة و التالية على التجربة  السبتمبرية .

كل هذا كان على اعتبار ان مضمون الرسالة صحيح ، و لكن يبدو ان من كتب ذلك و -من ساهم في توزيعه- كلاهما لا يجيد ابسط مبادئ العد. فعدد الاحرف( او حتى الكلمات من دون التشكيل او معه, مع رسم المصحف او من دونه) من بداية السورة و حتى الاية 110 ليست 2001 باي حال من الاحوال، اما طوابق المبني فهي 110 و لكن ما سقط كان برجان لا واحدا اي 220 طابقا بالاضافة الى تضرر مبان اخرى في هجوم لطائرات اُخر .  الطريف ان بعض نسخ الرسالة تم تحريفها و القول بان عدد الطوابق هو 109 لا 110  حتى يتوافق – و لو كذبا – مع رقم الاية الشريفة التي تحوى عبارة "جرف هار" . و سورة التوبة بالمناسبة تقع في جزئين اثنين هما العاشر و الحادي عشر ، فلم الاستنساب ؟

الاهم من هذا كله هو العلاقة المنطقية بين الجزء و الكل ، فالتاريخ هو11 سبتمبر .و اليوم(11) جزء من الشهر(9). و السورة هي اصغر من "الجزء القرآني " الذي يتكون غالبا من عدة سور. فلو كان الجزء هو التاسع و رقم السورة هو 11 لصح الامر ، او لو كان تاريخ الهجوم هو 9 نوفمبر لصح الامر ايضا ، و لكن التاريخ 11 سبتمبر فتكون العلاقة بين الجزء و الكل معكوسة فتسقط معها الفرضية .ذات الخطأ يتكرر مع

مع الاحرف فهي اجزاء اصغر من السور فكيف يتم مقابلتها بالسنوات ؟

ليت احدا من هؤلاء استعمل اي وسيلة - بدائية كانت او حديثة- في العد بدلا من نشر الاراء غير المتحقق منها. يبدو ان هؤلاء ايضا لا يجيدون ابسط مبادئ التحقق الجغرافي قبل الادعاء ، فلا شارع هناك يدعى "جرف هار" و لا اي لفظ قريب من ذلك اللفظ العربي القح .

فقط اتمنى الا تنتشر رسائل اخرى تقول ان هذا التفسير كان مؤامرة من عمل اليهود كتبوها ووزعوها ، فغرروا بالعرب المساكين بها فصدقوها.و لنفرض -عبثا و مزحا- بان ذلك صحيح لم قام العرب بتوزيعها اذا ؟ هل هو ذات السر الذي يجعل الكثيرين يتدافعون لشراء كتب  الابراج و قراءة الطالع ؟ هل هي لدينا عقلية استسهالية ، تستهويها الحلول المعلبة ذات الطابع الغيبي لتريحها من عناء التفكير و مكابدة الترهل الفكري ؟

سبتمبر شهر اسود سياسيا في هذا القرن و في سابقه، و الفطر يتكاثر في العتمة ، فلنخرج للنور قبل ان تسود وجوه و عقول.

الحرية اقناع بالحجة لا القوة

نتيجة لاختراقها للحواجز المسكوت عنها عمدا او سهوا في الذات البشرية تثير قضية الحرية ما تثيره , ويقترن هذا مع بانوراما النفس العربية و ما تحوي من إيماءات و التفاتات لتخط مفاهيم مختلطة ،قاصرة ، إستنسابية في معظم الحالات .

يتفق الكل على ان الحرية تنبع على نحو سرمدي ، تؤخد ولا تعطى ، يسعى لها قبل ان يطالب بها ، و هذا هو حال المجتمعات التي تكيف نفسها مع درجات الحرية ،فتنتقل من نظم طغيانية الى اخرى اكثر حرية صائغة حياتها و تقاليدها وفق التغيير في هذا الاطار.

الاان علينا ان نقر ان الحرية المثلى تؤسس على القيود التي تحد من الحرية بيد انها -و لا شك –تضمنها فتكون غير قابلة للرفض ، فطالما ان الحريةتقف عند حدود الاخرين، وهذا هو (القيد المحبب) للحرية الذي يكفلها ، تكون الحرية امرا لا يرفض الا اذا مارسنا الوجه الاخر من الحرية ، (الحرية التسلطية )التي لا تعدو الا ان تكون نوعا من الحرية( السلبية )التي نمارس على ذواتنا .

و( القيود المحببة)تفرض انفسها ايضا كرد على (النمو المفجع) الذي قد يسقم الحرية ،لكن هذا يفرض شيئا من الفطنة و الحذق في فرض القيود لئلا تؤدي الى(وأد الحرية )فتغدو القيود بغيضة بعدما كانت محببة.

و رغم كون الحرية نسبية ،بيد ان جزاءا ساطعا او خافتا منها يمكننا من استغلال النسبية فندعو الحرية مطلقة ،رغم ان نسبيتها او إطلاقها لا يجعلانها حلا لكل المتاعب ، لكنها حتما ليست (صندوق باندورا ) يحوي كل الشرور و الزرايا رغم مثالبها التي نتجت في معظم الأحايين عن سوء التطبيق ،فقد صيغت الحرية احيانابعدة مفاهيم اصطبغت بعدة محاولات واعية او غير ذلك لتطبيق الحرية بايقاع فردي او جماعي مغلوط فقادت في النهاية لاحساس متعال بكل طوباوية وفرط في فقدان (بوصلة الاتجاه)

الا ان الاسلام ما فتىء كدين و نظام حياة قادرا –بمنحنى حضاري جاذب –الموائمة بين تحديات الحرية ،قيودها ،ومعضلاتها .

ومن جانب اخر, ان ننظر بواقعية الى الحرية كفكرة عملية نجد انها مسلك للديموقراطية ،الا ان نظرة ثاقبة بعيدة النظر تدلنا الى كونها مسلك (لمجتمع ديموقراطي) يفوق اهمية وجود نظام حكم ديموقراطي عاطل عن التطبيق الحق بدون دافع شعبي أو تطبيق اجتماعي .

فالحرية في الممارسة الديموقراطية لا يقصر مداها في واجب المواطن الصالح في الاختيار الدوري لممثليه ،بل تتسع بمعرفية كاشفة جاعلة المواطن يوغل في دوره ك (لاعب) في العمل السياسي و ناشط في صنع القرار بصورة من الصور.

غير ان احدا لا ينشد حرية مشحونة بادراكات شعورية خاصة ، علىالطريقة العربية و قياداتها الالهامية الكاريزمية ،و بنفس المنطق فان الجميع لا يعاف حرية تستلزم قدرا من استنطاق الفرد لذاته ليصل الى مرحلة المواطن الصالح بطريقة اشد ملائمة و اكثر جدوى .

ومن اكثر الامور اثارة للجدل و الجذب على حد سواء تمازج الحرية والظلم في ذات الان ،فالعدالة التامة ليست هدف الدولة بقدر ما يكون الحفاظ على الحد الادنى من الظلم هو الحاجة الاكثر الحاحا ، ويكشف هذا عن نفسه في ان الظلم

الواقع على شخص ما يرشح المزيد من الحرية لفرد اخر وان كانت حرية مغتصبة (غير مشروعة) .و في هذا الخضم يبرز الدور الانسجامي للإعلام لدعم الحرية بنوعيها (المشروع و الايجابي ) و (تسويقها ) بين الجميع ف (ما لا تراه العين او تسمعه الاذن لا يأسى عليه الفؤاد) .وهذا الترويج في حد ذاته (دليل عافية) الا ان (دليل التكلس )في فهم الحرية هو الترويج للحرية للامشروعة ، السلبية ، التسلطية،اللامحدودة الخالية من القيود التي تجعل الفرد مستبدا في نهاية المطاف .

و الحرية ايا كان الامر اقناع بالحجة لا بالقوة في كل حالات العقل سطعت او لم تسطع ، تدحض زعم ان لا لزوم للحرية و تدعو_ من كل بد_ ان لا لزوم الا لها .

 

نشر في جريدة القبس ، العدد 9400 ، بتاريخ 20-08-1999

النكوص الى جاهلية عصر التطور !

عند وقوفنا في حضرة تاريخنا التليد العتيد تتلاعب بنا الأحزان لتنقلنا لأحداث وذكريات تقارب المثالية بل أنها لتصل إليها في بعض الأحايين لتملي خطوطا شاعرية تزيد من مرارة التردي الحالي ، وبشيء من العقلانية يقودنا هذا للمقارنة بين الحالتين -حالة الازدهار الإسلامي وحالة الهزيع الأخير من هذا القرن الموسومة بأكثر النعوت المثيرة للشفقة والحنق في آن واحد- والعقلانية ايضا تنادي ان هذه المقارنة جائرة وغير منصفة ،لذا الأحرى بنا ان نربأ عن المقارنة بين الثرى و الثريا ، ولنقارن بين عصرنا وعصر الجاهلية! فلعل في ذلك بعض الإنصاف ، وقد يثير ذكر الجاهلية حفيظة الكثيرين ، فنحن نعيش عصر التقدمية والعولمة فكيف تصح المقارنة ؟ بل إنها تصح ، فنحن وان كنا صناعا وقادة لحضارة تليدة لكننا مفلسون في هذا العصر من أي ما يمكن ان يوصف ب(حضاري ) ، فالمعادلة بسيطة منطقية وليس فيها أي اغتيال للإنجازات الحالية التي نستهلكها ولا ننتجها فنحن نأكل مما لا نزرع ونلبس مما لا نصنع ، ونعود (للجاهلية الجديدة )التي نعيشها ،فهي تتجلى في :

عودة الطبقية والتفرقة بشتى مسبباتها وأنماطها التي تختلف من دولة لاخرى مما يعيد للأذهان وحشية الجاهلية التي سارعت خطانا نحوها كما ان الضروب المتعددة للصياغات المتعلقة بقوانين المرأة في معظم الدول العربية ، الا أنها تعايش جاهلية أخرى تغتال كل ما أعطاها الإسلام من تكريم وعلو إنساني وذمة مالية منفصلة وحق سياسي يتجلى في المبايعة .

ولا يغيب عن الأذهان ان أمية العرب تعود لكن بشكل جديد ، فقد كانت امية عرب الجاهلية الاولى من الناحية الثقافية تنحصر في القراءة والكتابة ، اما أمية عرب الجاهلية الثانية فهي طامة وكارثة حتى ان الأشعار الشعبية التي لا يفهمها الا من بتحدث بلهجتها أصبحت تلاقي هوي في نفوس الكثيرين مما يوجه لطمة كبيرة للغة أعجزت أصحابها في قران وحد القلوب والوجهات والالسن على حد سواء مما يشير ان الجاهلية الاولى تفوقت في بعض الميادين على (جاهلية عصر التطور) الحالية .

وجوهر هذا كله ان (الزيف الذي لا يكبر بالحقيقة يكبر بالقوة) كما قال طاغور ، وكم من الزيف والغياب عن الواقع و فوبيا النقد نعاني! فهلا رجعنا لقرآننا لينتشلنا من الجاهلية الى النور مرة اخرى و إلا فأننا نستحق ما نعانيه و(على نفسها جنت براقش) .

 

نشر في جريدة القبس ، العدد 0000 ، بتاريخ 02-10-1998

الإعلام العربي : كوميديا سوداء !

أستبد بي الأسف وغمرتني اللوعة لما رأيته من تغطية إخبارية مهلهلة لمعظم التلفزيونات العربية في ظل المستجدات السياسية الراهنة التي تتسم بسخونتها وبالتالي تتطلب تغطية إعلامية جادة ومتميزة لتواكبها ، ورغم انه لا يجب التغاضي عن بعض الجهود المرضية لقلة قليلة من الفضائيات ولكن هذا لا يعني صرف النظر عن نقد الذات والالتفات لمأساوية الإعلام العربي .

فالمشاهد العربي الجاد يثير الشفقة لكونه مداهما من قبل إعلام تلفزيوني سداه القولبة ولحمته التخلف وان حاول الانتقال من قناة لأخرى لا يجوز فيه إلا القول انه كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإعلامنا لا يقدم إلا الكثير والكثير من الاستخفافات العقلية التي قد تصل لدرجه من الفداحة حتى انه يمكن إدراجها في نطاق عمليات غسيل المخ ، بيد أن الموضوعية تفرض نفسها، فبعد الإنعتاق من (فوبيا النقد ) هذا الوهم الخادع ،علينا أن نعرف من يستحق التجريم ومن يستحق البراءة ،و باستنتاجات عقلية منطقية نجد أن المأساة تكاملية لها بعدان :

( أولهما). شريحة كبيرة من المشاهدين الغافلين المستسلمين الذين ختم الله على قلوبهم فنسوا دورهم في عملية الضغط على ما يقدم ،فللإعلام بعدان إما سياسي أو تجاري ،ولا عيب في ذلك لكن المخزي في الأمر أن المشاهد العربي لا يستعمل دوره كهدف اقتصادي لتغير الاستراتيجيات الإلهائية بل يكتفي بدور المتفرج القانع بكل ما يقدم له ، وهذا في بعض الأحيان يقود لإجهاض جهود جادة و متميزة لأنها لا تلقى إلا السلبية ممن هذا المتفرج،فأي إعلام نطلب وهذا هو حال الأكثرية السوداء ، فالمشاهد العربي ليس إلا جزءا من أفواج من الجهلة وأنصاف المتعلمين ، ولتتضح الصورة أكثر يمكننا أن نتخيل المشاهد العربي كإنسان الكهوف ( الذي يلاحق الحيوانات بهراوة خشبية ) فهذا البدائي لن يقف موقفا إيجابيا من أي شيء يخرج عن نطاق تفكيره ، و كذلك هو حال العربي من سلبية و ضيق أفق وجهل.

لكن المصائب لا تأتي فرادى وهذا يوصلنا للطرف الثاني في المسئولية وهو الإعلام التلفزيوني فهو جزء من الكارثة حيث انه لا يضطلع بدوره في تشكيل الرأي العام و تجسير الثقافة و بث الوعي بل يكتفي بالروتين الملل أو السخافات وقد يصل في بعض الأحيان إلى تقديم معلومات خاطئة بحجه أن أحدا لن يلاحظ ،( فالعربي لا يقرأ ) كما قال وزير الخارجية الأمريكي. سابقا. (هنري كيسنجر) و رغم كونه يهوديا فان في ما قاله الكثير من الصحة ،ولذلك أستنتج أن هذه التراجيديا الساخرة يقدمها الإعلام التلفزيوني لكن بإخراج و إيعاز من مشاهد مستسلم ،وفي كل الأحوال فإنها تزيد الآلام ومن لا يرد أن يحزن مثلي فعليه ألا يستمع لآرائي وليتمثل بقولشيكسبير ( إن رهافة سمعي تثقل قلبي ) ، أراح الله قلوبكم .

 

نشر في جريدة القبس ، العدد 9084 ، بتاريخ 28-08-1998