|
من الإنشاد الابتهالي إلى الإنشاد الحضاري قبل فوات الأوان! |
|
|
|
مقالات -
مقالات نقدية
|
|
كتب حياة الياقوت
|
|
25/04/2006 |
حتى أكون صريحةً وواقعية، أجدُ صعوبةً كبيرةً في تغيير أفكار كثير من المتشككين من العرب الذين يرون أنّ الإنشاد السائد حاليًا ليس إلا نسخةً منقّحةً ومعدّلةً من أغاني بعض الصوفية المبالغ فيها، وأجد صعوبة أكبر في إقناع الغربيين أن الإنشاد ليس المرادف الإسلامي لترانيم الكنائس.
الإنشاد -كما آمل أن اراه- صنف فني متكامل، عليه أن يتوّجه لكل من يقدر أن يتذّوق الجمال والفن، وليس فقط لـ"الذين آمنوا." على الإنشاد أيضا أن يتوّجه لـ ويحكي عن "الذين عملوا الصالحات." والصالحات هنا صالحات استخلافية في عمارة الأرض وليست صالحات تعبديّة ابتهالية فقط، والإثنان صنوان. هنا، علينا أن نقف هنا وقفةً حاسمة، وإلاّ سيصبح كل من قال "يا حبيبي يا الله" و"يا حبيبي يا محمّد" -رغم أهمية وسمو الفكرتين ووضرورة استمراريتهما وخطورة تغافلهما- منشدًا، والمصطلح الصحيح هو مبتهل، ولصار الوسط الإنشاديّ في ظل الألق الحالي له مقصدًا للباحثين عن الشهرة في ظل محدودية "الثيمات" (المواضيع التي يتحدّث عنها) وبالتالي تيّسر أدائها بشكل أو بآخر. المنشد شخص له رؤية في الحياة والاستخلاف وليس شخصًا ذا صوت حسن وحسب، وإذا لم نعِ هذا الفارق بسرعة ونعمل عليه، سنجد أنفسنا بعد سنوات قلائل من اليوم نتكلّم عن كيفية "إصلاح" الوسط الإنشادي وسندخل في قضايا فرعية نحن في غنى عنها إن لم نبتدر الأمر من الآن. الآمال كبيرة وأعداد الداخلين إلى الوسط الإنشادي تزداد يومًا بعد يوم وعدد الجماهير المتعطشة في ازدياد. وأمام كل هذا يظل محيط الإنشاد والمواضيع التي يعالجها أصغر من تحمّل كل هذا، فسيتسع محيط الإنشاد حتمًا ولكن في اتجاه محيطات أخرى لا نود له أن يتسع نحوها. ثم، ألا تتفقون معي أن "الغناء" الهابط السائد حاليا يشبه الـ"أميبا"؛ أحادي الخلية، أحادي الهم، أحادي الفكرة، فكل ما نسمعه يصب في خانة الوله والتدله وكأن بقية العواطف انعدمت. السؤال، أليس من المخيف أن يستنسخ الإنشاد هذه التجربة فيصير إحادي الهمّ والنزعة رغم نبل هذه النزعة وضرورتها. ومما يزيد من خطورة الأمر، الغياب اللافت لأي محاولات توثيقية جادّة وموضوعيًة ومتزنة لتاريخ الإنشاد ما يعني غياب حس التأريخ وبالتالي فقد المقدرة على التقويم (أو التقييم كما هو شائع وهو خطأ لغويَّا) المستقبلي للتعرف على جوانب الخلل بغرض الإصلاح. ولست أدري ما سبب تغافلنا عن أمر التوثيق. أهو نتاج ثقافتنا الشفهية يا ترى أم هو استهوان بأهمية الإنشاد والدور المرتقب له؟ حسنًا، وحتى لا نعيش في عالم التنظير، ماذا يجب أن يوجد على جدول أعمال الإنشاد الحضاري: العدالة حتى مع الخصوم، حرية الاختيار في الإسلام، قيمة العمل، الحض على البحث عن الحقيقة وطلب العلم، أخلاقيات العمل، الأخوة في الله، أنسنة المرأة، البذل المالي، العمل التطوعي، تحرير الإنسان، حقوق الطفل، والأهم من هذا كله هو ضرورة أن نلتفت الأنظار كيف أنّه يمكن للمسلم أن يعيش والدنيا في يده بينما الآخرة في قلبه، وهذا البند على رأس القائمة، أو هكذا عليه أن يكون. هناك بدايات مبشرِّة للإنشاد الحضاري لكنها غير منظمّة في على شكل حملات مقنِعة، بل تتناثر هناك وهناك بين الإصدارات المختلفة. فهناك تغطية إنشادية لافتة لمواضيع مثل الأخوة في الله وطلب العلم مثلا. لكن الأمر يحتاج أكثر من النيّات الحسنة وتضمين نشيدة هنا ونشيدة هناك. ستسألون عن أدوات هذه "الحملة"، الفيديو كليبات الإنشادية هي الوسيلة الأنجع. فهي –رغم يفاعتها وقلّتها- إلا أنها خطفت الأبصار والثناء. الفيديو كليب لازمة حيويّة من لوازم الإنشاد الحضاري بمقدرته على إضافة أبعاد جديدة قد لا يتمكّن الشاعر من تضمينها في كلمات القصيدة. وهنا تبرز ضرورة أن يكون الفيديو كليب الإنشادي أو "النشيد كليب" مبنيا على أساس درامي لا على أساس بصري فقط وأن يحوي قدرا من الترميز ومن الرسائل الواعية بل واللاواعية أيضا. ففيديو كليبات مثل "فرشي التراب" و"محمّد صلى الله عليه وسلّم" و"رمضان" للمخرج عبد الله الحمد و"المعلّم" لهاني أسامة و"لسوف أعود يا أمي" لسليم الترك كلها كليبات لها حبكة درامية متقنة فكان أثرها أوقع على المستويات المدركة وغير المدركة. ففائدة وجود سياق للأحداث يمتد إلى جانب الكلمات هي حالة التماهي النفسي Identification حيث يضع المشاهد نفسه في سياق الأحداث فتضحي جزءا من تجربته النفسيّة التي تؤثر على أفعاله إن اندمج معها (الأحداث) بشكل جيّد. هنا تبرز قضيتان: 1- أهمية التوفيق بين الإبهار البصري عبر حرفية التصوير والإخراج، والإبهار الفكري عبر نسج سيناريوهات محكمة ترافق الكلمات شريطة ألا تكون بشكل وعظي مباشر يستغبي عقل المشاهد ويتحدّث بعليائية عن من هم أقل تديّنا؛ 2- من أجمل ما قدّمه الإنشاد على مدى عقود هو تقريب اللغة العربية الفصحى لعامة الناس. الإنشاد بالعامية الذي بدأ بالشيوع مؤخرا، خطوة براغماتية أفهمها لكن لا أحبها. أضع يدي على قلبي خوفا من تصبح هي القاعدة. علينا هنا أن نقف وقفة حاسمة خاصة في اختيار الأناشيد التي ستحوّل إلى كليبات، فعنصرا الإبهار البصري والفكري المتوفران في الكليبات يغنياننا عن اللجوء للعامية ويفتحان المجال لتقديم الفصحى بشكل عصري بدلا عن الخطاب الإعلامي السائد الذي حوّل الفصحى إلى لغة متقعرة مُتحفيّة مستوردة من عصور الخيام والأبل. إذا فسد الملح فبماذا يملح، وإذا فسد الإنشاد بمَ ولمن تطرب الآذان وتجاه ماذا تتجه الأبصار ومع ماذا تتفاعل العقول؟ أراح الله قلوبنا وأمتع أبصارنا ونوّر بصائرنا وعقولنا جميعا. |