
نشرت في مجلة الوعي الإسلامي، العدد 558، صفر 1432/ديسمبر-يناير 2011، صفحة 61.
أدناه أسئلة مشروعة كثيرا ما تردني. وما سأجيب به هو مجرد أبواب أشرّعها لكم كي تفكروا في الأمر. لا شيء أثقل على قلبي من الوصفات الجاهزة، ومن الكتّاب الذين يبتكرون القوانين ويختبرونها على قرائهم. إجاباتي هي تجربتي الخاصة المُعْلِمة لا الملزمة، اطلعوا عليها لكن لا تقبلوا بالتخلي عن أدواتكم المخبرية ومحاليلكم وحلولكم. إذا اتفقتم معي، أخبروني، وإذا اختلفتم نوروني.
إنها رسالة أحملها لأقول لكم أن القراءة تُقرِئُكم السلام، أنها تُحَييكم كي تُحْييكم. فهل ستردون التحية بمثلها أو بخير منها؟
1. لماذا أقرأ أصلا ومن لم يسرع به علمه، أسرعت به "واسطته"؟! أريد فوائد عملية حتى أقتنع، لا أريد تنظيرا فارغا.
- القراءة تخرج الإنسان من إطار المعلومات المتشظية، إلى إطار المعرفة. فعقولنا ملئى بأكوام من المعلومات نتلقاها من حياتنا اليومية، ومن التلفاز، والإنترنت، والصحافة، وهنا وهناك. لكن القراءة تساهم في سبك هذه المعلومات في إطارات منهجية، وتساعدنا على جمع هذه المعلومات والأفكار المتناثرة، وضمها في "ملفات"، ومن ثم في "مجلدات" إذا استخدمنا المجاز الحاسوبي.
- القراءة توسع أفقنا، لأنها تعيرنا عقول أشخاص آخرين، وتجاربهم، ونظرتهم في الحياة. وكثيرا ما نستفيد ممن يخالفونا في الرأي لا من يسبحون معنا في الموجه نفسها. ألم يقولوا في السفر سبع فوائد؟ ما قالوا هذا إلا لأن المسافر يخالط بيئة وأناس وأفكار تختلف عنه، فتثريه. وكذا هي القراءة.
- القراءة تبلسم جراحنا، خاصة القراءة في الأدب "المحترم". فحينما نرى ما يمر به الآخرين يهون علينا ما نمر به. كما أن القراءة الأدبية تمنح الإنسان مرونة نفسية ومواقفية، إذ تجعله مهيئا بمخزون نفسي للتعامل مع مواقف لم تمر معه حياتيا، لكنها مرت معه قرائيا.
- القارئ إنسان واثق، لأنه أفكاره مرتبه، وهو بالتالي أقدر على النقاش السليم بناء على علو الحجة على علو الصوت.
- القراءة تساعدنا على اتخاذ القرار الصحيح، لأننا نملك المعرفة المناسبة، في الوقت المناسب. إنها تعطينا القدرة على اتخاذ القرار المناسب بالتكلفة المناسبة. وكم من قرار كلفنا كثيرا بسبب ضيق أفقنا أو قلة معرفتنا.
تسير في الطريق الفسيح، وتتمتع بالمناظر الجميلة على جانبيه. تتوقف قليلا لتلوح بيديك لمن تراهم على الجانب الأيمن. فجأة، تحس بأن شيئا يتحرك أسفل قدميك. إنه خُلْد مزعج ظهر من حفرة على جانب الطريق. يطل من الحفرة تارة، ويختبئ تارة أخرى بشكل يفقدك أعصابك ويفسد عليك الاستمتاع بالمنظر. تكتشف أن لديك مطرقة خشبية كبيرة في يدك. تهوي بها عليه، فيرتد إلى حفرته مذموما مدحورا.
تكمل السير، وإذا به يظهر مرة أخرى على جانب الطريق الأيسر، فتعامله كما عاملته من قبل. ثم تكمل مسيرتك ظانا أنه ارتدع. يبدو أنه ارتدع فعلا، إذ لم يظهر منذ مدة. تسير مزهوا بانتصارك عليه، فتجد نفسك تهوي على الأرض متعثرا بشي ما. تعسا! إنه الخُلد المزعج مرة أخرى، لقد ظهر هذه المرة من بين قدميك دون أن تنتبه له، فأسقطك سقطة موجعة.
ابحثن في في لفافة الذاكرة عنهن. ابحثن عن البطلات اللاتي نشأن ونحن نظرن إليهن كمثلنا العليا، نحلم بمصيرهن، ونأمل أن نكبر لنشبههن (طبعا كخيار بديل في حال لم نحقق هدفنا الأسمى والأعلى والأمثل ونشبه باربي!). ابحثن عنهن في في أساطير الكان يا مكان، في حكايات الجنيات، والقصص التي تنتهي بالثبات والنبات وانتصار الخير على الشر بخلاف عادة الواقع الواجع!
فتيات حسناوات، فتيات مكروبات، فتيات يضعن أيديهن على خدودهن بانتظار هطول الفرج. فتيات يتبعن المثل الفرنسي الشهير "كوني جميلة واصمتي". إنهن درداوات الروح، لا حول لهن ولا طول، لا عقد ولا ربط. وإذ يقول المثل العربي "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، فيبدو أن بطلاتنا من النوع الذي يُشاهد فقط، لكن لسن من النوع الذي يُنصح بالسماع عنه ومنه، لأنهن أعرن أحبالهن الصوتية للخضوع ولذل الانتظار.
الصفحة 1 من 18